علي الهجويري
137
كشف المحجوب
وكانت حياته منذ البداية تقوم على مجاهدة نفسه ، وكثرة التعبد . روى أنه قال : « عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئا على أشد من العلم ومتابعته ، ولولا اختلاف العلماء لبقيت ، واختلاف العلماء رحمة إلا في تجريد التوحيد » وهذه حقيقة واضحة لأن الجبلة الإنسانية ميالة إلى الجهل أكثر منها إلى العلم لذلك من السهل أن تقوم بأعمال كثيرة عن جهل ، ولكن ليس من السهل أن تقوم بأعمال كثيرة عن جهل ، ولكن ليس من السهل أن نخطو خطوة واحدة بمعرفة ، وطريق الشرع الشريف أدق وأحد من الصراط في الدار الآخرة ، لذلك فإنه يجب عليك أيها السالك في كل أحوالك أن تقتدى بالشرع الشريف وإن لم تنل درجة عالية أو مقاما كاملا ، فإنك على كل حال تسقط في وسط دائرته ، وكفى بذلك شرفا أن يبقى معك عملك الموافق ، وإن نلت كل شيء ، وأهملت الشرع ، لم تنل شيئا ، وقد أظهر ذلك كل أرباب اللسان للشرع ، وإهمال هذا الاقتداء من أضر ما يكون على المريد . قال أبو يزيد « الجنة لا خطر لها عند أهل المحبة ، وأهل المحبة محجوبون بمحبتهم » يعنى بذلك رضي الله عنه أن الجنة مخلوقة بينما الحب صفة قائمة بذات الله تعالى ؛ وكل من حجب بشيء مخلوق عن القديم فإنه خلو من كل فائدة . والعشاق محجوبون بعشقهم ، لأن وجود العشق يقتضى المثنوية التي تتنافى مع التوحيد ، وطريق أهل المحبة هو زمن الواحد للواحد . وقد يوجد بهذا المشهد نقص أيضا ، لاحتياجه إلى مريد ومراد ، فأما أن يكون الله سبحانه وتعالى في كلا الحالين مريدا أو مرادا ؛ أما في الحالة الأولى فوجود الإنسان محقق بإرادة الله ، ولكن إذا كان الإنسان هو المريد والله سبحانه وتعالى هو المراد ، فعمل العبد وإرادته وبحثه لا تمكنه من الوصول إليه ، وحيث أن علة الإيجاد في كلتا الحالتين تبقى في العاشق ، لذلك ففناء المحب مع دوام المحبة أكمل من بقائه مع دوام المحبة .